العقارات

قوانين التهيئة العمرانية ودورها في حماية البيئة

أضحت البيئة تكتسي أهمية متزايدة ودورا متصاعدا في قانون العمران. الذي يعد بمثابة التشريع الذي يضبط العملية التخطيطية والتصميمية للتجمعات البشرية. وينظم علاقة الإنسان ببيئته المكانية. على اعتبار أن مستقبل الحياة في المدن واستمراريتها مرتبط أساسا بتحقيق التوازن بين البيئة والنموالعمراني.

لاسيما وأن معظم المدن الحديثة تعاني مشاكل بيئية معقدة. تؤول بالأساس إلى قصور في تطبيق أسس التخطيط العمراني السليم. هذا الأخير الذي يفرض على المخططين مراعاة المعايير البيئية عند صياغة الخطط العمرانية. كاختيار مواقع المناطق السكنية بالبعد عن المناطق الصناعية وعن مناطق المخاطر الطبيعية والتكنولوجية. وعن جميع مصادر تلويث البيئة. مع الحفاظ على البعد الأخضر بداخلها بإنشاء الحدائق والمساحات الخضراء. دون إهمال جانب الجمال المعماري لإيجاد تناسب وتجانس بين البيئة المشيدة والبيئة الطبيعية.

تقوم التنمية العمرانية المستدامة أساسا على مراعاة البعد البيئي في أدوات التخطيط العمراني. الأمر الذي حاول المشرع الجزائري التبنيه له من خلال كل من المخطط التوجيهي للتهيئة و التعمير. ومخطط شغل الأراضي.  مکرسا بذلك فكرة التوفيق بين قواعد حماية البيئة وقواعد التهيئة والتعمير. إذ يتجلى إهتمام هذه الأدوات بحماية البيئة. من خلال سعيها إلى وضع قواعد تتعلق بتخصيص الأراضي وضبط التوسع العمراني بما يحافظ على البيئة من التدهور والتلوث. وكذا من خلال وجوب استشارة الهيئات المكلفة بالبيئة. وإشراك كل من المواطن والجمعيات البيئية في إعدادها. إلا أن الواقع البيئي المتدهور الذي تعرفه جل مدننا وما تشهده المناطق الحساسة اعتداءات عليها. يعكس عدم قدرة هذه الأدوات في وضعها الحالي على التكفل الحقيقي بقضية حماية البيئة.

أولا_أدوات التخطيط العمراني آليات لحماية البيئة:

باستقراء المادة الأولى من قانون 29/90 المتعلق بالتهيئة والتعمير المعدل والمتمم بموجب القانون 05/04. يظهر اهتمام المشرع بإدراج البيئة ضمن أدوات التخطيط العمراني .المتمثلة في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير ومخطط شغل الأراضي. من خلال نصها على أن هذا القانون يهدف إلى تحديد القواعد العامة الرامية إلى تنظيم إنتاج الأراضي القابلة للتعمير. وتكوين وتحويل المبنى في إطار التسيير الاقتصادي للأراضي . والموازنة بين وظيفة السكن والفلاحة والصناعة. ووقاية المحيط والأوساط الطبيعية والمناظروالتراث الثقافي والتاريخي. على أساس إحترام مبادئ وأهداف السياسة الوطنية للتهيئة

العمرانية. أي أن حماية البيئة تعد من الاعتبارات الرئيسية للمخططات العمرانية. وهذا ما أكد عليه قانون 10/03 من خلال تبني مبدأ الادماج. الذي يعني دمج الترتيبات المتعلقة بحماية البيئة والتنمية المستدامة عند إعداد المخططات والبرامج القطاعية. لأن من متطلبات التنمية العمرانية المستدامة تحقيق التوازن بين متطلبات حماية البيئة والخطط العمرانية.

  1_المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير أداة لتأطير التوسع العمراني وحماية البيئة:

تطرق المشرع الجزائري للمخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير بموجب قانون 29/90المتعلق بالتهيئة والتعمير. في مواده من المادة 16 إلى المادة 30 والنصوص التطبيقية له. لاسيما المرسوم التنفيذي رقم 177/91 المعدل والمتمم بدوره بموجب المرسوم التنفيذي رقم 317/05″ . حيث يندرج هذا المخطط في إطار المحلي للتهيئة والتعمير. ويرتكز على توزيع الصلاحيات مابين الدولة. الولاية البلدية وبين مختلف أجهزة الدولة والمؤسسات . وفقا لمبادئ اللامركزية وعدم التركيز.

طبقا للتوجيهات الأساسية لتهيئة الإقليم. المستخلصة من آليات أعلى مثل: المخطط الوطني لتهيئة الإقليم(S.NAT) . المخطط الجهوي التهيئة الإقليم (S.RAT) ومخطط تهيئة الولاية. (PAw)  عملا بمبدأ المطابقة الذي يقصد به أن القاعدة الدنيا تحترم القاعدة العليا.  هذا ما أكدته المادة 16 والمادة 31 من قانون 29/90على غرار المشرع الفرنسي. الذي نص على أن محتوى مخططات التهيئة يكون متوافقا مع التوجيهات الإقليمية للتهيئة حالة غيابها مع قوانين التهيئة والتعمير. يتم من خلال هذا المخطط ضمان تنفيذ السياسة العامة التي تنتهجها الدولة لتوجيه التوسع العمراني من جهة. والحفاظ على البيئة من جهة أخرى.

_تعريف المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير  (PDAU):

 المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير هو أداة للتخطيط المجالي والتسيير الحضري. يحدد التوجهات الأساسية للتهيئة العمرانية للبلدية أو البلديات المعنية . أخذا بعين الاعتبار تصاميم التهيئة ومخططات

التنمية. ويضبط الصيغ المرجعية لمخطط شغل الأراضي. يعد وسيلة جديدة للتجمع الحضري داخل إطاره البيئي. ويراعي جوانب الانسجام بين جميع المراكز الحضرية المجاورة.

فضلا عن كونه الأداة القانونية الرئيسية للتخطيط الطويل المدى من 15 إلى 20سنة. يعد أيضا أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية .يحدد التوجيهات العامة في الميدان، الصناعي والسياحي ويشكل تحديثا للمخطط العمراني التوجيه.

   فهو مخطط توجيهي يوجه التهيئة وتوسع التجمعات السكانية. ويشكل دليلا لتسيير المجال العمراني    

   موضوعا في يد المسيرين المحليين ووثيقة تقديرية مستقبلية للتنبؤ. يشمل تقدير الاحتياطيات في شتى   

    المجالات الاقتصادية والاجتماعية. يتضح موضوع المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير. بتحديد التخصيص العام للأراضي على مجموع تراب البلدية أو مجموعة البلديات. وهذا بتقسيم إقليمها إلى أربع قطاعات هي: القطاعات المعمرة، القطاعات المبرمجة للتعمير. قطاعات التعمير المستقبلية والقطاعات غير القابلة للتعمير”. وكذا تحديد توسع المباني السكنية وتمركز المصالح والنشاطات. وطبيعة وموقع التجهيزات الكبرى والهياكل الأساسية. مع توضيح مناطق التدخل في الأنسجة الحضرية والمناطق الواجب حمايتها.

_إعداد المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير و المصادقةعليه:

أوجب المشرع على كل بلدية أو أكثر أن تغطى بمخطط توجيهي للتهيئة والتعمير. يتم إعداده بمبادرة من رئيس المجلس الشعبي البلدي وفقا للمادة 24 من قانون 29/90 المعدل والمتمم من أجل التحكم

في التنمية . وبهدف صياغة صورة مجالية تسمح بتطبيق سياسة عامة على إقليمها.  يتم إعداده بموجب المادة 2 من المرسوم التنفيذي 177/91 المعدل والمتمم عن طريق مداولة من المجلس أو المجالس الشعبية البلدية المعنية. بحيث تتضمن هذه المداولة مايلي :

-التوجيهات التي تحددها الصورة الإجمالية وكيفية تنميتها. کیفیات مشاركة الإدارات العمومية والهيئات والمصالح العمومية و الجمعيات في إعداده.

– القائمة المحتملة للتجهيزات ذات المنفعة العمومية. حيث يتكفل المخطط ببرامج الدولة والجماعات الاقليمية والمؤسسات والمصالح العمومية. تبلغ هذه المداولة للوالي المختص إقليميا وتخضع للنشر مدة شهر كامل بمقر المجلس الشعبي البلدي. لعرض المشروع للتشاور واستشارة العديد من الإدارات. و تتم المصادقة على  المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير على ثلاث مستويات كما يأتي:

– بقرار من الوالي بعد أخذ رأي المجلس الشعبي البلدي والبلديات المعنية التي يقل عدد سكانها عن 200.000 ساکن.

– بقرار مشترك بين الوزير المكلف بالتعمير والوزير المكلف بالجماعات المحلية بعد استشارة الوالي المعني للبلديات التي يفوق عدد سكانها 200.000 ساكن ويقل عن 500.000 ساكن. _بمرسوم تنفيذي يتخذ بناء على تقرير من الوزير المكلف بالتعمير بالنسبة للبلدية أو البلديات المعنية والتي يكون عدد سكانها 500.000 ساكن فأكثر.

_دور المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير في حماية البيئة:

 يتجسد الإهتمام البيئي ضمن المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير من خلال الرؤية الإستشرافية والإستراتيجية للمجالات العمرانية. إذ يقسم المجال إلى عدة قطاعات : قطاعات معمرة، قطاعات مبرمجة للتعمير على المدى القريب، المتوسط والبعيد . وقطاعات غير قابلة للتعمير اعتمادا على مبدأ

النطاقات le zonage  . وكذا من خلال تميزه بالأفق التصوري والتقديري للمجال المحلي. مما يجعل منه أهم وسيلة لحماية البيئة الطبيعية. والحيلولة دون تدهور البيئة الحضرية العمرانية. وتقهقر إطار الحياة بها.  توافقا مع مفهوم التنمية المستدامة التي تعد المحافظة على الأوساط البيئية إحدى ركائزها الأساسية.

يبرز دوره في حماية البيئة أيضا في كونه لا يهتم بالتهيئة العمرانية داخل حدود المخطط العمراني للتجمع الحضري فقط.  بقدر ما يتناول التجمع الحضري داخل إطاره الطبيعي والبيئي. وينظم العلاقات بينه وبين باقي نقاط الوسط الأخرى الموجودة على المستوى المحلي والإقليمي. ويراعي جوانب الإنسجام والتناسق بينه وبين جميع المراكز الحضرية المجاورة. كما يتضح من خلال استقراء أهدافه المذكورة أعلاه. أنه لا يقتصر على تحديد المناطق التي يمكن تعميرها حسب ما يقتضيه النسيج العمراني. بل يهدف أيضا إلى تحديد المناطق الواجب حمايتها بيئيا من خلال الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية. النشاطات الفلاحية والمناظر وحماية المناطق ذات التراث الثقافي والتاريخي كالحفريات والآثار التاريخية .

 كما يمثل المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير الوثيقة المرجعية لكل أعمال التدخل في العقار. فهو المقسم للعقارات على تراب البلدية. لذلك فإنه يتطلب معرفة الأملاك العقارية وطبيعتها. سواء كانت حضرية أو صناعية.  ومعرفة طرق استعمالها تفاديا للنمو العمراني العشوائي. والاستغلال اللاعقلاني للأملاك العقارية للبلدية. بغرض توفير الاحتياطات الأساسية داخلها. بالتالي فهو وسيلة للحفاظ على مكون أساسي للبيئة. ألا وهو الأرض بصفتها من الموارد  المحدودة القابلة أوغير قابلة للتجديد. والمحمية من أشكال التدهور والتلوث وفقا لما نصت عليه المادة 59 من قانون 10/03. مما سبق يتضح أن المشرع الجزائري أولى اهتماما بالغا للبيئة في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير. حيث يسعى إلى تحقيق التنمية العمرانية في إطار إحترام الأوساط البيئية .

2_مخطط شغل الأراضي وسيلة تفصيلية لحقوق البناء وحماية البيئة: 

نظرا للنقائص الخطيرة التي عرفتها المدن على مستوى التحكم في التهيئة الجزئية. أدى إلى الإحساس بحاجة ماسة إلى آلية تنظيمية للتعمير. تسمح بخلق ربط بين المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير وتوجهاته الكبرى وقرارات التعمير على المستوى المحلي. تتمثل هذه الألية في مخطط شغل الأراضي الذي نص عليه المشرع الجزائري في قانون التهيئة والتعمير. وعلى وجه التحديد في “القسم الثالث ” من ” الفصل الثالث الذي جاء بعنوان التهيئة والتعمير.

_تعريف مخطط شغل الأراضي:

عرف المشرع الجزائري مخطط شغل الأراضي على النحو التالي: “هو ذلك المخطط الذي يحدد بالتفصيل وفي إطار توجيهات المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير حقوق استخدام الأراضي والبناء عليها” .

 يتضح من خلال هذا التعريف آن مخطط شغل الأراضي هو أداة من أدوات التعمير. يغطي في غالب الأحيان تراب بلدية كاملة. تحدد فيه وبصفة مفصلة قواعد وحقوق استخدام الأراضي والبناء في إطار احترام القواعد التي تضمنها المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير.

يجب إنجازه على صعيد البلدية من أجل توجيه وتنظيم استعمال الأرض .طبقا لأحكام القانون 29/90 المعدل والمتمم يعد بمثابة الوثيقة الأساسية التي تحتكم إليها البلدية في ميدان تنظيم العقار. لأنه ينظم وبالدقة المطلوبة شروط استعمال الأرض وشغلها. كما يشكل أداة يمكن من خلالها تحديد الشكل  الحضري لكل منطقة. من خلال تنظيم حقوق البناء على الأراضي. وكذا تبيان كيفية استعمالها. لاسيما فيما يتعلق بنوع المباني المرخص بها وحجمها ووجهتها وحقوق البناء المرتبطة بملكية الأراضي والارتفاقات المقررة عليها. والنشاطات المسموح بها إلى غيرها من التوجهات الأساسية.

  يكتسب هذا المخطط قوة القانون. يكون قابلا للمعارضة أمام الغير ويشكل مرجعا تنظيميا للسلطات    العمومية المحلية. تمنح على أساسه القرارات العمرانية .

_أهداف مخطط شغل الأراضي:

  تتمثل أهداف مخطط شغل الأراضي فيما يلي:

– تحديد بصفة مفصلة الشكل الحضري بالنسبة للقطاع أو القطاعات المعينة. حقوق البناء واستعمال الأراضي. تعيين الكمية القصوى والدنيا المسموح بها في البناء المعبر عنها بالمتر المربع من الأرضية

المبنية خارج البناء .أو بالمتر المكعب من الأحجام. و أنماط البنايات المسموح بها واستعمالاتها. 

– يضبط المظهر الخارجي للبنايات. تحديد المساحات العمومية والمساحات الخضراء والمواقع المخصصة للمنشآت العم والمنشآت ذات المصلحة العامة. وكذا تخطيطات وميزات طرق المرور.

– تحديد الارتفاقات. تحديد الأحياء والشوارع والنصب التذكارية . المواقع والمناطق الواجب حمايتها وتجديدها وإصلاحها.

– تعيين مواقع الأراضي الفلاحية الواجب وقايتها وحمايتها. وكذا بیان خصائص القطع الأرضية.

– بيان موقع المباني بالنسبة إلى الطرق العمومية وما يتصل بها. و موقع المباني بالنسبة إلى الحدود الفاصلة.

– تحديد إرتفاع المباني والمظهر الخارجي. بيان موقف السيارات أو المساحات الفارغة والمغارس.

– تحديد نوع المنشآت والتجهيزات العمومية وموقعها وتحديد الطرق والشبكات المختلفة التي تتحملها الدولة. كما هو محدد في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير وكذلك أجال إنجازها.

 أضاف التعديل الوارد في القانون 05/04بعض الأهداف الأخرى التي يرجى تحقيقها. من خلال إعداد مخطط شغل الأراضي كتحديد الأراضي المعرضة للأخطار الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو تلك المعرضة للانزلاق. والتي تخضع الإجراءات تحديد أو منع البناء.

 ومن الأهداف ما يمكن استخلاصها أيضا في التنظيم مثل بيان المنافذ والطرق وكيفية وصول الشبكات إليها.

 يهدف أيضا إلى جعل مختلف قرارات التعمير الفردية موافقة الأهداف وتوجيهات المشروع البلدي المحتوى المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير. وفيه تلتقي مصالح الأفراد وإرادة الجماعات المحلية. فيرشد الأفراد إلى ما هو مرخص به وما هو ممنوع. ويدلهم على الشروط الأساسية وخصائص التعمير والبناء. لهذا فهو يحدد بالتفصيل وكما يدل عليه اسمه صعوبات شغل الأراضي.

_اعداد مخطط شغل الأراضي:

تسند عملية إعداد مشروع مخطط شغل الأراضي إلى رئيس المجلس الشعبي البلدي .أو رؤوساء المجالس الشعبية البلدية المعنية وتحت مسؤوليتهم. عن طريق مداولة وفقا لنص المادة 2 من المرسوم التنفيذي 178/91 المعدل والمتمم. تتوج هذه العملية بقرار إعداد المخطط.

كما تتضمن المداولة تذكيرا بالحدود المرجعية لمخطط شغل الأراضي الواجب إعداده. وفقا لما حدده المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير المتعلق به.  وبيان لكيفيات مشاركة الإدارات العمومية والهيئات والمصالح العمومية والجمعيات.

تبلغ المداولة للوالي المختص إقليميا وتنشر بمقر المجلس الشعبي البلدي المعني لمدة شهر كامل . ثم يحدد قرار ترسيم الحدود بموجب قرار من الوالي .أو بقرار من الوزير حسب الحالة وفقا لما نصت عليه المادة 12 من قانون التهيئة والتعمير 29/90

_دور مخطط شغل الأراضي في حماية البيئة:

لمخطط شغل الأراضي دور في حماية البيئة. يتجلى في المحافظة على الجانب الجمالي العمراني البيئي. يظهر ذلك من خلال استقراء شامل الأهدافه المذكورة سابقا.  وفي الحرص على ضمان الرونق الجمالي للبيئة العمرانية. لاسيما من خلال تحديد القواعد المنظمة للشكل العمراني والهندسي للبنايات.  واحترام مختلف المعاملات العمرانية .معامل شغل الأرض ومعامل ما يؤخذ من الأرض . وتحديد حجم البنايات وارتفاعها ولونها ونوعية المواد المستعملة.  ومن خلال التأكيد على حماية المواقع الثقافية والأماكن العمومية والمساحات الخضراء داخل الوسط الحضري.

 حيث تؤكد المادة 31 من قانون التهيئة والتعمير في هذا السياق. على أن مخطط شغل الأراضي يحدد حقوق استخدام الأرض والبناء ومن ضمنها المساحة العمومية. والمساحات الخضراء. كما تضع المادة 20 من نفس القانون تصنيفا واضحا للمساحات الخضراء. يبرز الأنماط التالية: مساحات خضراء، حدائق ومساحات وغابات حضرية.

 أما المرسوم التنفيذي 178/91 فيلزم في مادته 18 بوضع لائحة تنظيم تتضمن شروط شغل الأرض المرتبطة بالمساحات الفارغة والمغارس.

 يسعى هذا المخطط إلى حماية المساحات الحساسة والمناظر والمواقع. ويعين مواقع الأراضي الفلاحية الواجب وقايتها وحمايتها ضمانا للمحافظة على البيئة وحمايتها. كما يعمل على تنظيم العقار الصناعي. ويأخذ في الحسبان الإجراءات الضرورية والطرق الصحيحة الحماية البيئة. والتخلص من النفايات أثناء تنظيم هذا النوع من العقار.

كما يضع استثناءات على قابلية البناء في المناطق الحضرية حماية لبعض الفضاءات الطبيعية.

يحدد مخطط شغل الأراضي أيضا مجموعة القواعد المتعلقة بإقامة البنايات وشروط شغل الأراضي. وذلك من خلال جملة الارتفاقات التي تثقل العقار مما يؤدي إلى انسجام في البنايات. من حيث مظهرها الخارجي مما يحسن من صورة البيئة العمرانية المشيدة .من خلال ماسبق نرى أن هذا المخطط يعد وسيلة قانونية محلية لحماية البيئة .

ثانيا_مظاهر تجسيد البعد البيئي في أدوات التهيئة و التعمير:

تعتبر أدوات التهيئة والتعمير وسائل قانونية لتنظيم المجال العمراني. وعقلنة استعماله يتجسد إدراجها للبعد البيئي من خلال عدة مظاهر. منها ضرورة القيام بعملية التقييم البيتي لهذه الأدوات.استشارة الهيئات المكلفة بحماية البيئة . مع ضرورة إشراك الجمعيات البيئية والمواطنين في إعدادها .

1_التقييم البيئي لأدوات التخطيط العمراني:

إن التقييم البيئي آلية قانونية فعلية لكشف مدى مراعاة البعد البيئي في أدوات التخطيط العمراني. حيث يدمج هذا التقييم المسألة البيئية في إعداد المخططات والبرامج .ويعد تقنية وأداة ناجعة من أجل المراقبة والمتابعة التقدير السياسات العامة العمرانية. 

كما يعد من الوسائل الفعالة التي تساهم في عقلنة استعمال المجالات العمرانية. ويمكن أن تصنفه على أنه سبيل من سبل تقييم الأثار البيئية التي تطبق على السياسات والمخططات والبرامج. حيث يشجع هذا الإجراء المشاركة الفعالة عند اتخاذ القرارات الاستراتيجية. ويعمل على ترشيد تقييم المشاريع لجعلها أكثر تناسقا وقبولا اجتماعيا.

تهدف عملية التقييم البيئي للمشاريع إلى حماية الصحة العامة والبيئة من أخطارالأنشطة والأعمال التي قد تضر بالبيئة الطبيعية. وإيجاد الحلول المناسبة للحد من التلوث. والمحافظة على الموارد الطبيعية.  من خلال مراعاة الاعتبارات البيئية والمعايير الايكولوجية .أثناء التخطيط ،التصميم ،التنفيذ والتشغيل للمشاريع التنموية المختلفة. ذلك من أجل تحقيق الهدف الاستراتيجي ألا وهو التوازن الايكولوجي.

 تدار هذه العملية تحت مسؤولية الجماعات المحلية .التي تتولى إعداد وثائق التعمير بمساعدة المصالح غير الممركزة للدولة. التي يمكن لها في إطار مهمة التعاون التقني أن تساعد المنتخبين المحليين على القيام به في أحسن الظروف. بمرافقتهم على عقد الطلبيات العمومية واختيار مكاتب الدراسات المتعددة التخصصات وبالإشراف على الدراسات المقرر إجرؤها في التقييم البيئي للمشاريع العمرانية.

إن الهدف الرئيسي من عملية التقييم البيئي، هو إدراج قضايا البيئة والتنمية  المستدامة عند اتخاذ القرارات الهامة في مجال السياسة العامة العمرانية. وجعل فاعلي القرار أكثرا وعيا بالأثار البيئية للمخططات والبرامج العمرانية.

2_ وجوبية استشارة الهيئات المكلفة بحماية البيئة:

أخضع القانون إعداد أدوات التهيئة و التعمير للاستشارة الواسعة للهيئات المعنية. سواء أكانت بصورة وجوبية أم اختيارية. محاولا إشراك الجميع وإعلامهم بإعدادها من أجل حماية وتثمين الموارد البيئة قبل المصادقة عليها قانونا.

فبالنسبة للمخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير أكد قانون التعمير على ضرورة الاستشارة الوجوبية لكل الإدارات العمومية أو المصالح التابعة للدولة. والمكلفة على مستوى الولاية بالتعمير. الفلاحة، التنظيم الاقتصادي، الري، النقل، الأشغال العمومية، المباني والمواقع الأثرية والطبيعية. البريد والمواصلات وكل الهيئات والمصالح العمومية المكلفة على مستوى الولاية بتوزيع الطاقة. النقل، المياه ولديهم مهلة 15 يوما ابتداء من استلام الرسالة للإفصاح عن إرادتهم في المشاركة في إعداد المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير .

تحدد قائمة الإدارات العمومية والهيئات والمصالح والجمعيات التي طلب استشارتها بشأن مشروع المخطط بموجب قرار. ينشر هذا القرار لمدة شهر بمقر المجلس الشعبي البلدي أو المجالس الشعبية البلدية المعنية ويبلغ للإدارات العمومية، الهيئات، المصالح العمومية، الجمعيات والمصالح التابعة للدولة على المستوى المحلي.

 تمنح لهذه الهيئات مهلة 60 يوما لإيداع ملاحظاتها وآرائها حول مشروع هذا المخطط بطريقة صريحة ومكتوبة. وإذا لم تجب خلال هذه المهلة يعتبر رأيها موافقا بانقضاء مهلة 15 يوما. يقوم رئيس المجلس الشعبي البلدي أو المجالس الشعبية البلدية المعنية بإصدار قرار إداري أخر يحدد بموجبه قائمة الإدارات العمومية. الهيئات والمصالح العمومية التي طلب استشارتها ووافقت على ذلك.

ينشر هذا القرار بمقر المجلس الشعبي البلدي أو المجالس الشعبية البلدية المعنية لمدة شهر كامل.

ليتسنى للمؤسسات والهيئات العمومية الإطلاع على القرار القاضي بإعداد المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير من أجل المشاركة.

  3_ إشراك المواطن وجمعيات حماية البيئة في إعداد مخططات التعمير:

حرصا من الدولة على مبدأ المشاركة. المشاورة والتنسيق نظرا لأهميته في الارتقاء بمستوى ومردودية أدوات التهيئة والتعمير. فقد تم التأسيس لآليات واعدة للتشاور الواسع والمشاركة المكثفة لكل الفاعلين بصورة ناجعة ومنظمة . ذلك لأن أخذ البيئة في الحسبان عند إعداد أدوات التهيئة والتعمير. يهدف إلى حماية الأنظمة البيئية والصحة البشرية الذي أصبح انشغال معظم المجتمعات. مما يتطلب مسار تشاركي للجمهور. فمن غير الممكن تسيير مدفنا دون الاهتمام بالمطالب والاحتياجات الاجتماعية للسكان. أو دون إشراكهم في تصميم الحلول واقتراح البدائل التي تتعلق بواقعهم المعيشي، و البيئي.

كما أنه لا سبيل إلى التسيير المستديم للعمران دون انتظام المواطن في إطار جمعيات. کهیئات للدفاع عن مصالحة العمرانية والبيئية. أو بانعدام مشاركته كفرد في النشاطات المتعلقة بهذا المجال.

   إن المشاركة المفيدة في تلك التي تبدأ منذ التخطيط بنشر الخطط ذات العلاقة الوطيدة بحياة السكان. 

  كالأماكن العمومية والحدائق العامة ومرافق الترفيه والمساحات الخضراء. ذلك لأن حماية البيئة هي

 حق  ومسؤولية للجميع للتعبير عن آرائهم في المشاريع المضرة بالبيئة. فمشاركة الجمهور في مسار اتخاذ القرار البيئي من شأنها إعطاء شرعية أكثر للقرار النهائي. ومن شأنها التقليل من النزاعات البيئية المعروضة أمام القضاء .

يتم إشراك المواطن والجمعيات التي يعني موضوعها بحماية البيئة في صياغة وإعداد أدوات التهيئة والتعمير. من خلال إجرائين هما: التحقيق العمومي البيئي والإشهار الواسع للمشاريع العمرانية من أجل الإعلام.

_التحقيق العمومي البيئي:

يعد التحقيق العمومي أقدم إجراءات الإعلام التي كانت تشكل نزع الملكية. فهو إجراء يهدف إلى إخضاع العملية المتوقعة إلى امتحان عمومي. من أجل تحقيق الديمقراطية الإدارية. ويعتبر موضوع تهيئة المجال من بين المواضيع المفضلة لإشراك المواطنين والجمعيات في اتخاذ القرارات المتعلقة بحماية البيئة . أما التحقيق العمومي في المجال البيئي فهو صورة من صور مشاركة الجمهور وإشراكه في المشاريع العمرانية. حيث يتبنى رئيس المجلس الشعبي البلدي المشروع التمهيدي للمخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير . عن طريق مداولة الاعتماد والإطلاع الرأي العام عليه.

 – يعين المفوض المحقق أو المفوضين المحققين. يبين تاريخ انطلاق مدة التحقيق وتاريخ انتهائه، علما أن التحقيق يخضع لمدة 45 يوما.

تعدل مشاريع المخططات عند الاقتضاء لكي تؤخذ بعين الاعتبار هذه التحقيقات. إلا أن هذه الأخيرة تشوبها بعض النقائص.  

    تتمثل هذه النقائص في مدى إلزامية المشاركات المحصل عليها .حيث لا تتمتع الآراء المتحصل عليها

   من الجمهور بأي أثر قانوني. أي أنه لايمكن إلزام الإدارة بالأخذ بها. وبذلك فهي مأخوذة على سبيل

   الاستئناس والحصول على معلومات دقيقة.  كما أن محافظ التحقيق غير ملزم بالملاحظات التي يقدمها

   الجمهور. فيمكن أن يقتنع بهذه الملاحظات أولا يقتنع بها .  وفي النهاية يقدم تقريره بناء على ما يقتنع

   به هو وليس بناء على الأراء المخالفة للجمهور. فكان أولى بالمشرع أن يلزم المحافظ المحقق بأراء

  الجمهور المعبر عنها بالأغلبية لرفض إنجاز المشروع المزمع إنجازه والمخل بالبيئة. وبالتالي لايساهم

   هذا الأخير في إتخاذ القرارات البيئية بصورة فعالة.  ولا يرقي حتى إلى درجة ما يساعد على اتخاذ القرار أو شريك في صناعته. وبالتالي يبقى التحقيق العمومي مجرد رأي عمومي فقط يمكن للإدارة الأخذ    به أو العزوف عنه.

_ الإشهار الواسع للمشاريع: 

 تمكينا للمواطنين من الحصول على المعلومات حول وضعية مدينتهم. تطورها وأفاق بيئتها و ضمانا لمبدأ الشفافية الذي يعد أحد مبادئ الحكم الراشد. في حالة وضع مشاريع تضر بالبيئة في الحال أو في المستقبل. توجب إخضاع هذه الأدوات الأوسع إشهار في الأمكنة المخصصة عادة للمنشورات الخاصة بالمواطنين. ووضعها في متناول مستعملها من الجمهور للاحتجاج بها مع مراعاة الطرق القانونية المشروعة ”  .    

إلا أنه رغم الإشهار الواسع لمشاريع المخططات. تظل الاستشارة التي تقدمها الجمعيات أو الأفراد بشأنها غير ملزمة للإدارة في وضعها الحالي. وإن كان قانون 10/03 يولي أهمية بالغة للمشاورة  ويخول للجمعيات المعنية حق الادعاء أمام القضاء.  لحمل الإدارة على احترام استشارتها  خاصة إذا جاء تصرف الإدارة مخالفا لقواعد حماية البيئة.

خاتمة

نخلص إلى القول بأن المشرع حاول إدماج الاعتبارات البيئية ضمن أدوات التهيئة والتعمير.  للتوفيق بين تنظيم حركة العمران والحفاظ على مقتضيات حماية البيئة .خاصة في إطار توجهه الجديد نحو فكرة التنمية المستدامة. من أجل ضمان حقوق الأجيال المستقبلية في التمتع بالموارد الطبيعية.  وعدم استنزافها أمام شراهة الحركة العمرانية .

إذ يتجلى إهتمامه بحماية البيئة من خلال استقراء شامل الأهداف ومحتويات هذه الأدوات. وإجراءات إعدادها. وسعيها إلى وضع قواعد تتعلق بتخصيص الأراضي .وضبط التوسع العمراني بما يحافظ على البيئة من التدهور والتلوث.  ويحافظ على خصوصية المناطق الهشة إيكولوجيا كالساحل والغابات والأراضي الفلاحية الخصبة. وكذا المواقع التاريخية و الثقافية من خلال وجوب استشارة الهيئات المكلفة بالبيئة. وإشراك كل من المواطن والجمعيات البيئية في إعدادها.

رغم ذلك تبقى الجهود المبذولة في هذا المجال ضئيلة .  مقارنة بالواقع العمراني والبيئي الخطير الذي تعرفه جل المدن. حيث نشهد انتشارا رهيبا للبناء الفوضوي وتراجعا كبيرا المساحة الأراضي الفلاحية.  وتأكل المساحات الخضراء وانتشار للتلوث البيئي بمختلف أشكاله. حتى في المناطق الحساسة من الإقليم. مما يعكس تضاؤل فعالية أدوات التخطيط العمراني ومحدوديتها. وعدم قدرتها على التكفل الفعلي بمسألة حماية البيئة. نظرا لافتقارها لعنصر الإلزام في التكفل بالجانب البيئي وغياب معطيات دقيقة وقاعدة معلومات صلبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: لا يمكنكم نقل محتوى الصفحة . من اجل الحصول على نسخة اذهب الى اسفل المقال