التجارة الإلكترونية

تحديات المعالجة الضريبية لمعاملات التجارة الالكترونية

نظرا لاتساع نطاق التجارة الالكترونیة.  ومعاملات البیع والشراء المتداولة على الشبكة العالمیة (الانترنت). وذلك بإطار قانوني ھو العقد الالكتروني. وما نتج عن ذلك من تنوع وتوسع في الإیرادات المتحققة عبر ھذه المعاملات التجاریة.  التي تحدث في فضاء مفتوح بعیدا عن التنظیم القانوني وخاصة التحاسب الضریبي. على اعتبار أنھا شكل جدید من إشكال النشاط الاقتصادي. فقد أثارت العدید من الإشكالات. في مقدمتھا إمكانیة خضوع ھذه الإیرادات غیر المنتظمة بسجلات تقلیدیة.  وبأنظمة عمل اعتادت علیھا النظم الضریبیة التقلیدیة للمعالجة الضریبية. وھل ستبقى التجارة الالكترونية خارج المنظومة الضریبیة. خاصة وان المجتمع الدولي یسیر نحو الاعتماد بشكل اكبر على التجارة الالكترونية في ظل جائحة كرونا. والاستفادة منھا في تحقیق الأھداف الاقتصادیة المرجوة.

اولا_الضرائب وعقود التجارة الالكترونية:

یستلزم تناول تنظیم فرض الضرائب على الأرباح الناجمة من التعاقد الكترونیا. ضرورة التناول المبدئي لماھیة التجارة الالكترونية. التي أسھمت في ظھور شكل جدید للنشاط الاقتصادي الإنساني. وأصبحت مظھرا مستقرا وواقعا في العدید من دول العالم. حتى يتسنى لنا التعرف بشكل اقرب حول طريقة التناول القانوني لأرباح  التجارة الالكترونية جبائيا.

1_التعريف بالتجارة الالكترونية وخصائص بيئتها :

لم تبق التجارة بقواعدھا التقلیدیة المستقرة. والمنظمة للأنشطة التجاریة على حالھا. وذلك بسبب تطور تقنیات الاتصالات الدولیة. هذه الاخيرة  ساھمت في اختصار العدید من العوامل التي قامت علیھا التجارة. وتغییرھا كعنصري الزمان والمكان. ونتج عن ذلك الاستخدام الواسع والمستقر في النمو لشبكة الانترنت.  من قبل الأفراد والشركات في مختلف أنحاء العالم. ومحتوى ھذا التغیر تداول السلع والخدمات بین البائع والمشتري بوسائل الكترونیة.  سھلة النقل والتحویل وبدون تحدید مكاني لھذا التداول.  

وقد أطلق على ھذا الشكل من التداول التجاري : التجارة الالكترونیة.  التي خالفت أسس التجارة التقلیدیة. من حیث وجود البعد الجغرافي سواء أكان لمكان إبرام العقد، مكان تسلیم السلعة ، الخدمة أو مكان دفع المقابل واستلامھا. وقد تنوعت وسائل الاتصال الالكتروني من أجھزة الحاسبة والھواتف النقالة والحواسیب النقالة . طالما وجدت نقطة اتصال بشبكة الانترنت .

 ویمكن القول إن التجارة الالكترونیة هي  نوع من العملیات التي یتم فیھا البیع والشراء. بین المستھلكین والمنتجین وبین الشركات بعضھا بالأخر. باستخدام تقنیات الاتصالات وھذا التعامل قد یكون داخلیا وقد یكون خارجیا. إذ لا یتعلق بحدود جغرافیة.

تتفق التجارة الالكترونیة مع اتجاھات منظمة التجارة العالمیة . واتفاقیة الجات الخاصة بتحریر التجارة من القیود والأعباء وخاصة المالیة . فھي متنقلة  في سوق مفتوح بدون حدود. مع اتجاھات لتحقیق عوائد مالیة أعلى من الأنشطة التقلیدیة. یصاحبھا انخفاض في تكلفة إنشاء المتاجر الالكترونیة. خلافا لمثیلاتھا التقلیدیة.

للمزيد الرجاء الاطلاع على مقالتنا السابقة و التي تطرقنا فيها لموضوع التجارة الالكترونية بالتفصيل بالضغط هنا.

2_عقود التجارة الالكترونية والدخل الناجم عنها:

لقد أدت العولمة الاقتصادیة من خلال استخدام شبكة الانترنت.  إلى إیجاد صور جدیدة من الأنشطة التجاریة.  وظھور أسواق مفتوحة وواسعة للقیام بالأعمال التجاریة. وتداولھا بین التجار والمستھلكین. وھذا الأمر اوجد بالضرورة صیغا مستحدثة لتوثیقھا واثبات مشروعیتھا ووجودھا الفعلي. ونتج عن ذلك ظھور صیغ ونماذج لعقود تجاریة تتفق وبیئة التجارة الالكترونیة. وعند تحدید طبیعة ھذه العقود فإنھا قد تكون عقودا داخلیة أو دولیة. وذلك رھن بالتنظیم القانوني المحدد لذلك. مع ذلك ولكونھا تجري بین أطراف تتواجد في أماكن مختلفة في العالم. فمستخدم الخدمة یقیم في بلد ویبرم عقدا مع مورد أو مجھز للخدمة في بلد أخر. یلحق ذلك متعھد التخزین الذي یقیم في بلد ثالث. فان ھذا یوضح إلى حد كبیر الطابع الدولي لھذا العقد وما ینتج عن ذلك من أثار والتزامات قانونیة .

أ_تعريف العقد الالكتروني :

لقد تعددت التعریفات للعقد الالكتروني :

يعرف العقد الالكتروني على انه اتفاق یتقابل فیه الإیجاب والقبول على شبكة دولیة للاتصالات ویتحقق ھذا التلاقي عن بعد.ا

وهناك من يعرفه على انه تفاق یعبر عن الإیجاب فیه ببیع أشیاء أو تقدیم خدمات على طریقة الإذاعة المرئیة المسموعة. وسط شبكة دولیة للاتصالات عن بعد. ویلاقیه القبول عن طریق اتصال الأنظمة المعلوماتیة عن بعد.

 إلا إن ھذا التعدد لا یخرج عن كونه اتفاقا یبرم بصورة كلیة أو جزئیة باستخدام وسائل الاتصال عن بعد. بدون وجود مادي فعلي لطرفي العقد. ویمكن التعبیر عن الإیجاب والقبول الصادر عن ھذین الطرفین بوسائل الاتصال. والتي  تعد واسطة أساسیة لتنفیذ أي معاملة تجاریة الكترونية.

وھذا لایعني إن العقد الالكتروني له أركانه الخاصة المختلفة عن العقد العادي. فھو في كل الأحوال تلاقي الإیجاب الصادر من طرف (البائع أو مزود الخدمة). بالقبول الصادر من المستھلك.  وذلك بوسائط الكترونیة . تفترض تباعد الوجود المادي لطرفي العقد. ینصب على محل لھذا العقد وھو الخدمة أو السلعة الرقمیة وغیر الرقمیة.

التنظیم الدولي لشكل عقد التجارة الالكترونیة:

ونتیجة لطبیعة التجارة الالكترونیة المتسمة بالمرونة والسرعة في التطور والنمو. نجد أن ھناك العدید من المحاولات الدولیة للخروج بصیغة ونموذج لتنظیم دولي لشكل عقد التجارة الالكترونیة. ویعد ابرز الجھود الدولیة ما أصدرته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي عام 1996 . والمسمى(القانون النموذجي للأمم المتحدة حول التجارة الالكترونیة).

إذ قدمت نموذجا لتوحید القواعد القانونیة المعمول فیھا في مجال التجارة الالكترونیة وتسري على الأنشطة التجاریة الداخلیة والخارجیة على حد سواء. والھدف من وضع ھذا القانون النموذجي  حسب أعمالھ التحضیریة. مساعدة الدول الأعضاء ً في الأمم المتحدة في دمجه في قوانینھا الداخلیة. حتى یصبح جزءا من تشریعھا الداخلي. و یتم التصدیق علیه بوصفه معاھدة دولیة في إطار الأمم المتحدة.  والصفة الدولیة للعقد الالكتروني لا تقتصر فقط على أطراف العقد ومكان إقامتھم.  وإنما محتوى العقد ذاته ینصب في انتقال قیم اقتصادیة وثروات عبر الحدود بین الدول. ولذا تتجاوز أثاره القانونیة الاقتصاد الداخلي للدولة. بسبب حركة الاستیراد والتصدیر للمنتجات والسلع والخدمات عبر الحدود الجغرافیة والافتراضیة. والتي یصعب تحدیدھا الكترونیا. إلى جانب أن العقد یبرم عن بعد إذ لا یبرم بین أشخاص حاضرین في ذات المكان.  وإنما في أماكن متعددة في ذات الزمان وبواسطة وسائط الكترونیة . سواء أكان ھؤلاء الأطراف یتبعون دولة واحدة أم دول متعددة.

 وھنا لابد من الإشارة إلى طبیعة ھذا العقد. ھل إن ھذه   الخصائص المرتبطة بالوسائل الالكترونیة المستخدمة أثرت على تكییف العقد المبرم قانونا. الجواب لذلك انه في الحقیقة لا یخرج عن الأساس الذي یقوم علیه العقد التجاري التقلیدي. المنظم حسب القانون الداخلي للدولة. والقائم على ركن الرضا. فالعقد الالكتروني یبرم بمجرد أن یتبادل المتعاقدان التعبیر عن إرادتیھما دون الحاجة لأي إجراء أخر.

ب_أنواع العقود الالكترونية:

یمكن القول إن العقود الالكترونیة تنقسم إلى صورتین رئیستین حسب طریقة الاتصال :

 العقود المبرمة من خلال مواقع التصفح عبر الانترنت:

وتتحقق من خلال المواقع التي تعرض فیھا السلع والخدمات على الشبكة العالمیة.  والتي تتیح للمستھلك(المستخدم للشبكة)حریة الاختیار والتروي عند حدوث ذلك. وعند اختیار السلعة المطلوبة یتم الانتقال بالمستخدم إلى صفحة أخرى. تتضمن نموذج العقد الذي یجب القبول فیه بأي صیغة تفید القبول. ویصعب ادعاء وقوع الخطأ في ھذا النوع من العقود. لأنھا تتمیز بالبطء والوضوح. إلى جانب الصیاغة البسیطة لنموذج العقد المقدم. ولا یتم فقط اعتماد صیغة القبول بل التأكید علیھا مجددا.

العقود المبرمة بواسطة البرید الالكتروني عبر الانترنت:

وھو وسیلة اتصالیة لإرسال الرسائل الكترونیا. واستقبالھا بین الحواسیب باستخدام الشبكة العالمیة. ویعد أكثر الخدمات شیوعا بین مستخدمي الانترنت. ویتحقق العقد الكترونیا عند إرسال رسالة بالبرید تصل إلى عنوان الموجب.  الذي یتسلم رسالة مضمونھا إبرام العقد. وتعد ھذه الصورة أكثر وثوقا من الصورة السابقة. لأنھا تتضمن الاستخدام المباشر للبرید الالكتروني لطرفي العقد. بكل ما یحتویھ من معلومات عن طرفي العقد.

ج_الدخل الناجم عن التعاقد الكترونیا:

إن أي عملیة أو صفقة تجاریة ینشأ عنھا بیع وشراء. وفي الحالین یتم دفع مقابل یحصل علیھ المنتج أو البائع یدفعه المستھلك. والنقد ھو الوسیلة الرئیسة المستخدمة في نطاق التجارة التقلیدیة . وبعد ظھور التجارة الالكترونیة كان لابد من إیجاد صورة تتفق وخصائص التجارة الالكترونیة.  یتم فیھا تسدید المستحقات المالیة. فظھر التحویل الالكتروني للأموال. الحوالة الالكترونیة. أي الدفع بالبطاقات المصرفیة(بطاقات الائتمان-بطاقات الوفاء). وھذه الوسائل یطلق علیھا وسائل الدفع الالكترونیة. وتتمیز بخاصیة الاتفاق بین الجھة مصدرة الوسیلة الالكترونیة  وبین التاجر (القابض لھا). إلى جانب توافر التوثیق الكامل. لوجود الطرف الآخر في عملیة التداول التجاري (التاجر أو المصرف أو العمیل). كما تضمن صلاحیة ّ الوسیلة كأداة للدفع.

في المقابل تمثل ھذه الوسيلة مشكلة حقیقیة. قد تؤدي إلى حدوث التھرب الضریبي. خاصة انه یسھل إخفاء الصفقات التي تتم عبر شبكة   الإنترنت.  والمستخدم فیھا وسائل الدفع الالكترونیة.  أما محل العقد الالكتروني فھو السلع والخدمات الرقمیة وغیر الرقمیة . التي یتم تداولھا من المجھز او مزود الخدمة. إلى المستخدم(المستھلك). وھذا یعني وجود قیم مادیة أو غیر مادیة تدخل في مفھوم اقتصادي جدید ھو اقتصاد المعرفة.

والذي یعد وفق المعاییر الاقتصادیة الحدیثة احدث وأفضل عوامل الإنتاج. التي تعد المورد الأساس لإنشاء الثروة في الاقتصاد. وھو العامل الأكثر أھمیة في الوقت الحاضر. وھذه المعرفة ونتیجة لتحویلھا إلى معلومات جعل ھذا الأمر من التكنولوجیا أداة ھائلة في وضع المعرفة في متناول العالم. وتخزینھا رقمیا وتداولھا كمعلومات في شكل كتب ومجلات وأدوات عمل ومراجع وصور. وغیر ذلك من السلع والخدمات الرقمیة. بواسطة الانترنت كمحیط لتداولھا. بعضھا بصورة مجانیة. والبعض الأخر بمقابل نقدي.  

الارباح الناتجة عن التجارة الالكترونية وعاء ضريبي:

وھنا یمكن التساؤل عن الدخل الناجم عن الصفقات التي تعقد عبر شبكة الانترنت.  ومن خلال وسائل الاتصال الالكترونیة من الناحیة التجاریة والضریبیة. فمما لا جدال فیه ان ھذه الصفقات عملیات تجاریة تھدف إلى تحقیق الربح. ودلیل ذلك الإحصائیات المقدمة حول نمو التجارة الالكترونیة والأرباح المحققة من خلال استخدامھا على المستوى العالمي . إلى جانب أن ھذه الأنشطة تدخل ضمن مفھوم العمل التجاري المنظم. وفق القوانین الداخلیة للدول التي تأخذ بالاعتبار عدة معاییر لتحدید تجاریة العمل. كمعیار السبب(قصدیة الربح) أو معیار الحرفة .

على ذلك فان التجارة الالكترونیة عمل تجاري. یقوم بعدة أنشطة كعرض السلع والخدمات وتصمیمھا وتوزیعھا. بقصد بیعھا وتحقیق الأرباح منھا. ومن الناحیة الضریبیة فالقوانین الضریبیة بینت المقصود بالعمل التجاري.

 ان الأعمال التجاریة التي تتم عبر الانترنت ووسائل الاتصال الالكترونیة (التجارة الالكترونیة) تدخل ضمن مفھوم العمل التجاري ضریبیا.

وعلى الرغم من ھذا التحدید لماھیة العمل التجاري ضریبیا. إلا إن محتوى التجارة الالكترونیة یتمیز بعدة خصائص تباینت النظم الضریبیة في كیفیة التعامل معھا. سواء من حیث إمكانیة تطبیق القواعد والأصول الضریبیة على الأرباح المتحققة منھا. وصولا إلى نوعیة الضرائب التقلیدیة.  واستحداث أخرى تتفق والتغیرات الواضحة في المنظومة الاقتصادیة الدولیة.

ثانيا_الاتجاهات الدولية لفرض الضرائب على التجارة الالكترونية:

تباینت الاتجاھات التشریعیة الدولیة والداخلیة في التعامل مع معاملات التجارة الالكترونیة ضریبیا. وعلى الرغم إن معظم الدول المتقدمة  قد أصدرت التشریعات القانونیة الخاصة بممارسة التجارة الالكترونیة كأعمال تجاریة. إلا إن الأمر لم یكن على ذات المستوى من التنسیق والتقنین فیما یتعلق بموضوع إخضاع الإیرادات الناجمة عن ھذه التجارة للضرائب.

فعلى الصعید الدولي نجد إن منظمة التجارة العالمیة قد أكدت سیاساتھا على تنفیذ محتویات اتفاقیة الجات المبرمة  في مؤتمر ھافانا. والخاصة بتنظیم القیود المالیة والجمركیة على التداول التجاري في النطاق الدولي.

لقد نصت ھذه الاتفاقیة على ضرورة تحریر التجارة العالمیة من القیود ّ المتعلقة بالضرائب والرسوم التي تقید انتقال رؤوس الأموال. وتعیق التنمیة الاقتصادیة العالمیة على مستوى التجارة الدولیة. وقد امتد تأثیر ھذه الاتفاقیة على العدید من دول العالم التي وقعت علیھا. وكذا الدول التي لم توقع بعد,

 إن محتوى ھذه الاتفاقیة یتناول الضرائب التقلیدیة الفعلیة القائمة(الضرائب الجمركیة والرسوم المتعلقة باستیراد وتصدیر السلع والبضائع على وج. الخصوص). إلى جانب التأثیرات المتعلقة بالإعفاءات والحوافز الضریبیة لتشجیع الاستثمارات وخاصة الأجنبیة. إن ھذا الاتجاه یؤكد بما لا یدعو للشك عدم فرض الضرائب على التداولات التجاریة الالكترونیة اتفاقا وبرنامج المنظمة.  التي تمثل احد الأضلاع الثلاثیة للنظام الاقتصادي الدولي المعاصر. والمتضمن إلى جانبھا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد أكدت ھذا الاتجاه منظمة التنمیة والتعاون الاقتصادي في المؤتمر الذي انعقد في كندا 1998.على إن التجارة الالكترونیة تسري علیھا القواعد المستقرة في التنظیم القانوني. وخاصة اتفاقیة الجات والاتفاقیات التجاریة الأخرى التي أصدرتھا المنظمة.

1_الحاجة لنظام ضريبي دولي خاص بالتجارة الالكترونية:

ركزت منظمة التنمیة والتعاون الاقتصادي. بشكل كبیر على تنظیم الجوانب الاقتصادیة وخاصة الضریبیة لموضوع التجارة الالكترونية. والتعاقدات المبرمة الكترونیا. فقد عمدت إلى إصدار العدید من الدراسات الخاصة بھذا. ویمكن القول إنھا قد ساھمت في التأسیس لقیام نظام ضریبي دولي. من خلال عدة اتجاھات:  

أولا:

استخدام شكل الضرائب التقلیدیة كمدخل لتنظیم ضریبي دولي. فقد عقدت المعاھدة الخاصة بالنموذج القانوني للضرائب على الدخل في مؤتمر المنظمة عام 1963، وقد أقرت ھذه المعاھدة المعاییر الضریبیة العامة للنموذج القانوني لضریبة الدخل. وخاصة مبدأي الإقامة والإقلیمیة. ونتیجة لھذا الإقرار أخذت معظم النظم الضریبیة بھما من خلال التشریعات الداخلیة. ما أدى إلى ظھور مشكلة واجھتھا اغلب ھذه النظم وھي الازدواج الضریبي. مما دفع المنظمة إلى وضع الحلول من خلال النص في العدید من مؤتمراتھا على اعتماد اتفاقیات منع الازدواج الضریبي الثنائیة.  أو اعتماد سیاسة الإعفاءات الضریبیة للأفراد والشركات. إلى جانب اعتماد معاییر محددة لمبدأ الإقامة من خلال معاییر الجنسیة والموطن. والعلاقة الاقتصادیة المباشرة بین المقیم وبلد الإقامة.

ثانیا:

من خلال المشاكل الضریبیة التي برزت بسبب مظاھر العولمة الاقتصادیة. فعلى الرغم من إن المعاییر والنموذج القانوني الذي قدمته المنظمة. في تنظیم قانون الضرائب على الدخل كقانون نموذجي تأخذ به النظم الضریبیة . وفي وضع نماذج قانونیة لاتفاقیات منع الازدواج الضریبي. یمكن أن تؤدي لاعتبار الأمر قابلا للتطبیق على المستوى الفردي لكل دولة. أو في إطار ثنائي بین دولتین. إلا إنھا في المقابل تمثل مجموعة مبادئ ومعاییر متفق علیھا دولیا. ومطبقة بشكل واسع,

ونتیجة لذلك وكأثر مباشر لنمو التجارة الالكترونیة.  فقد تزایدت حالات التھرب الضریبي وظھور ما یسمى بالجنات الضریبیة . مما شكل حالة من التنافس الضریبي بین الدول تدعى بالتنافس الضریبي المؤذي . لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبیة . وزیادة  رصید العملات الأجنبیة. وذلك باعتماد معاییر ضریبیة مخففة أو عدم اعتماد المعاییر الضریبیة الدولیة. لذا قامت منظمة التنمیة والتعاون الاقتصادي في مؤتمرھا في أوتاوا /كندا عام 1998 بوضع قائمة سوداء بالدول المعتبرة كجنات ضریبیة . والتي لا تأخذ بالمعاییر التي نصت علیھا المعاھدة الخاصة بالنموذج القانوني للضرائب على الدخل. وتحدید الإجراءات  التي تقوم فیھا دول المنظمة ضد ھذه الدول .

2_تنسیق دولي لفرض ضرائب على التجارة الالكترونية:

إن ھذا الدور التنظیمي یمكن له أن یكون مؤثرا في تنظیم التحاسب الضریبي لدخل التجارة الالكترونیة. خاصة وان ھناك اتجاھات دولیة أخرى تنادي بفرض الضرائب على ھذا النشاط الاقتصادي. بسبب النمو الواضح لھا. وان ھناك العدید من الإشكالیات التي ستحدث على المستویات الداخلیة. خاصة عند المقارنة بین واقع السلطات الضریبیة الداخلي وعلى المستوى الدولي. كدول توصلت إلى قناعة بان المتغیرات التقنیة في طرق التجارة تتطلب مستوى متقدم من التنسیق الدولي الضریبي.

دول الاتحاد الاوروبي:

في ھذا الإطار یبرز موقف دول الاتحاد الأوربي. التي تعود إلى تنظیم استخدام التجارة الالكترونیة .وعدم ترك الأمر عرضة لعدم التنظیم. وحدوث حالات الاستغلال وذلك من خلال فرض القیمة المضافة على المنتجات الالكترونیة. التي یجري شراؤھا داخل دول الاتحاد الأوربي عن طریق الانترنت. كوسیلة لإخضاع معاملات التجارة الالكترونیة للضرائب . ویمكن اعتبار ھذا الأمر توجھا نحو اعتماد سیاسة ضریبیة على معاملات التجارة الالكترونیة.

الولايات المتحدة الامريكية:

في المقابل نجد ان الولایات المتحدة الأمریكیة تدعو إلى تحریر التجارة الالكترونیة من فرض الضرائب علیھا. سواء بالصور التقلیدیة او المستحدثة. وذلك من خلال القانون الذي أصدره الكونغرس الأمریكي. والخاص بتحریر الانترنت من الضرائب. والذي نص على منح الشركات الأمریكیة العاملة على الانترنت إیقافا ضریبیا لمدة ثلاث سنوات. ابتداء من تأریخ تشریعه عام1998 . ثم صدرت عدة قوانین ّ لاحقة. مددت لھذه الفترة وذلك لعد أسباب نص علیھا القانون الخاص بتحریر الانترنت وھي :

_إن اغلب الشركات العاملة على الانترنت والمؤثرة بشكل كبیر ھي شركات أمریكیة.

_ نمو شبكة الانترنت وتطور التجارة الالكترونیة یرفضان وضع القیود المالیة.

_ إبعاد الضرائب عن الانترنت سیوفر الإمكانیات للأفراد للحصول على الضمانات اللازمة لعدم فرض قیود مالیة علیھم. مما سیوسع نطاق الأنشطة الاقتصادیة المتحققة عند استعمال ھذه التكنولوجیا.

_لقد اوجد الانترنت شكلا جدیدا للتجارة. وان فرض الضرائب علیھا سیعیق نموھا وعدم اكتمال الصورة الجدیدة لھذه التجارة بكافة خصائصھا المستحدثة.  ومع ذلك فان العدید من النظم الضریبیة الأخرى قد عمدت إلى وضع معاییر یمكن الاستناد إلیھا في حل مشاكل التجارة الالكترونیة.  وخاصة معیار موقع المال ومكان إبرام العقد. تمھیدا للتحاسب الضریبي . وان لم یصل الأمر إلى مستوى إصدار التشریعات القانونیة. وإنما ھي اقرب للتوجیھات العامة .

كما ھو الحال في كل من كندا واسترالیا. التي أوجدت لجانا خاصة بوضع المعاییر المحددة لمزاولة الأنشطة التجاریة على شبكة الانترنت.

الدول العربية:

بالتطرق للاتجاھات القانونیة المعتمدة من الدول العربیة في ھذا الإطار. فقد نظمت العدید من الدول العربیة قوانینھا الخاصة بتنظیم التجارة الالكترونیة.  وخاصة الدول التي اعتمدت على التقنیات الحدیثة في معاملاتھا الاقتصادیة. كالقانون الخاص بحكومة دبي الالكترونیة. إلا إن ھذا الأمر واجه صعوبات تطبیقیة في العدید من الدول العربیة.  بشكل جعلا بعیدا عن مستویات التنظیم القانوني للدول المتقدمة.  وذلك یعود لأسباب عدیدة اقتصادیة وتنظیمیة.  ترجع إلى طبیعة النظام الاقتصادي والإداري السائد في الدول العربیة . وخاصة في مجال التنظیم الضریبي .

ورغم اعتماد المعاییر الضریبیة الدولیة في معظم الدول العربیة.  إلا أنھا أنظمة لا زالت تتمیز بعدم المرونة الكافیة للتأقلم مع النمو التكنولوجي . وذلك لعد أسباب :

 _ صعوبات تتعلق بالإجراءات الإداریة الداخلیة. الخاصة بحصر وتحدید المكلفین الخاضعین للتحاسب الضریبي. والتي تمثل عائقا كبیرا على المستوى الداخلي فكیف باستخدام شبكة الانترنت. والخروج على المفھوم الإقلیمي التقلیدي المحدد.

 _ قصور التشریعات الضریبیة الحالیة. وعدم وجود المبادئ الضریبیة الواضحة التي یمكن تطبیقھا على إیرادات التجارة الالكترونیة. دون حدوث مشاكل الازدواج الضریبي الدولي والداخلي. وحالات التھرب الضریبي لسھولة إخفاء الدخل المتحقق من التجارة الالكترونیة.

_تحول عملیة إنتاج المعرفة إلى عملیة ربحیة. ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الحصول على موارد المعرفة. یقابل ذلك ارتفاع كلف إنشاء البنیة التحتیة لطرائق المعلومات فائقة السرعة. مع خاصیة التغیر المستمر لتقنیات المعلومات والاتصالات بشكل یفوق التخطیط التقني من قبل الدول والجھات الحكومیة العربیة.

3_الضرائب على التجارة الالكترونية بين مؤيد ومعارض:

یثیر موضوع فرض الضرائب وتحصیلھا على الدخل المتحقق من عقود التجارة الالكترونیة تباینا واضحا في وجھات النظر. فقد ظھرت آراء عدیدة قدمھا ّ الباحثون والكتاب تؤید فرض الضرائب . في مقابل آراء مغایرة ترفض ذلك بالاستناد إلى الحجج والتبریرات المؤیدة لكل اتجاه .

  أولا_ الآراء الرافضة لفرض الضریبة على التجارة الالكترونیة:

 استندت ھذه الآراء إلى أن بیئة التجارة الالكترونیة تعد بیئة اقتصادیة مفتوحة. تشجع النشاط التجاري المستجد. كي ینمو ویتطور. وان فرض الضرائب علیھا التقلیدیة أم المستحدثة سیؤدي إلى إعاقة ھذا النمو. ولن یبرز خصائصھا كاملة. خاصة وان ھناك العدید من الصعوبات لا زالت تعیق تنفیذ السیاسات الضریبیة للدول في نطاق الضرائب الفعلیة القائمة.  ولو أضیف إلیھا نشاط التجارة الالكترونیة لأدى إلى تفاقم المشاكل.

فعلى سبیل المثال: إن ھناك عدم تطابق واضح بین الضریبة على المبیعات بصورتھا الفعلیة القائمة على المبیعات التقلیدیة.  وعدم قابلیتھا للتطبیق في نطاق التجارة الالكترونیة. التي تتمیز بتعدد البائعین مع عرض اكبر للسلع والخدمات (الرقمیة وغیر الر قمیة) بین عدد كبیر من الدول. تكون محلا لممارسة ھذه الأنشطة التجاریة. مما یصعب تطبیق الضریبة على المبیعات. وھذا یتزامن مع مفھوم مھم وھو تعدد المعاییر الضریبیة وتماثلھا. والتي تطبقھا النظم الضریبیة في معظم دول العالم.

مما یعني تحقق الازدواج الضریبي على مستوى النظم الضریبیة التقلیدیة. إن فرض الضرائب على التجارة الالكترونیة  سیؤدي إلى تزاید ھذه المشكلة وتوسعھا.

 إلى جانب إن الضریبة تمثل سلطة الدولة المھمة التي تفرضھا في مجالھا السیادي والجغرافي مستندة إلى معاییر قانونیة خاصة المتعلقة بالجنسية.  واقتصادیة والتي ينثلها اقليم الدولة.  وھذان المفھومان یتعارضان والأساس القانوني الذي تقوم علیه التجارة الالكترونیة. التي تتقاطع ومفھومي الجغرافیة والسیادة التقلیدیة. مما یؤدي إلى الانفصال الواضح بین السلطات الضریبیة.  والأنشطة الاقتصادیة القائمة في بیئة  التجارة الالكترونیة.

ثانیا _الآراء المؤیدة لفرض الضرائب على التجارة الالكترونیة :

وفقا لھذا الاتجاه، فان فرض الضرائب على إیرادات التجارة الالكترونیة یتحقق بأسلوبین:

_فرض الضرائب القائمة والمطبقة في النظم الضریبیة باعتماد التنسیق الدولي. وخاصة بالنسبة للمعاییر الضریبیة المعتمدة. ومحاولة تحقیق ذلك بالنسبة الإیرادات الناجمة عن تداول السلع والخدمات التي تتم عبر الشبكة العالمیة.  والتي یحتاج نقلھا وتجھیزھا إلى وسائل مادیة. فھذه لا تعتبر إشكالیة في فرض الضرائب علیھا سواء الجمركیة منھا أو الضریبة على المبیعات.  إلى جانب أن وجود منطقة اقتصادیة أو سوق مفتوح دون أن تنظمه  قواعد أو تشریعات ضریبیة. ستؤدي إلى حدوث حالات من الاستغلال وتحقیق أرباح طائلة. مما یعني ازدیاد حالات التھرب الضریبي. مع التزاید الواضح لمستوى وحجم الإیرادات المتحققة لأصحاب المھن الحرة. والغیر منظمة في السجلات الضریبیة من معاملات التجارة الالكترونیة. مما یستدعي إصدارالتشریعات الضریبیة لتنظیم عمل ھذه التجارة .

_من جھة أخرى، فان من دعا إلى فرض الضرائب على إیرادات التجارة الالكترونیة. برر ذلك بان اتساع نطاق التجارة الالكترونیة یمكن أن یؤدي إلى تحقیق ما یطلق علیه بنظام ضریبي دولي. یتضمن منظومة متكاملة من التشریعات والقواعد والمعاییر المنظمة لآلیات التحاسب الضریبي. على المستوى الدولي. خاصة وان الأمر تجاوز مفھوم السیادة التقلیدیة. لیصل الى ضرورة اعتماد آلیات التنسیق العالمي. مع التأكید انه لا یمكن لسلطة عالمیة أن تتولى التحصیل الضریبي . إذ لا یمكن إلغاء سلطة الدولة في ذلك. إذ أن وظیفة الدولة متعارف عليها تاریخیاعلى انها وظیفة ضریبیة.

ضف الى ذلك، فان نمو وتطور حجم إیرادات التجارة الالكترونیة سیدفع الدول إلى تبني ھذا الاتجاه. نتیجة لعدة أسباب أھمھا :

_التجارة الالكترونیة سیستمر نموھا ویتصاعد. مما یعني استمرار التحدي للأنظمة الضریبیة في التعامل مع الإیرادات الناجمة  .سیؤدي ذلك إلى دفع الدول إلى تشریع القوانین الضریبیة على السلع والخدمات الرقمیة وغیر الرقمیة. مما یستدعي الوصول إلى آلیة تنسیق عالمیة تتجاوز الصعوبات الناشئة. وفرض ضرائب فعالة على إیرادات التجارة الالكترونیة . _ إن مبدأ العدالة الاجتماعیة یفرض احتساب الضرائب على إیرادات التجارة الالكترونیة. وعدم فرضھا یعني القیام بعملیة انتقائیة من خلال فرض الضرائب على الدخل التجاري التقلیدي. وعدم فرضھا على السلع والخدمات المتداولة عبر التجارة الالكترونیة. مما یعني المخالفة الواضحة لمبدأ المساواة. في الخضوع للقانون أو التحاسب الضریبي.

خاتمة:

يعتبر موضوع فرض الضرائب على التجارة الالكترونية. من بين المواضيع المطروحة على طاولة النقاش في الوقت الحالي. نظرا للأهمية التي يحظا بها. فبينما يرى البعض أن الإعفاء الضريبي أساسي لنمو التجارة الالكترونية. وأن فرض ضرائب على مبادلات التجارة الالكترونية يعد كبحا للنمو التكنولوجي. فإن البعض الآخر يرى أن تحرير التجارة الالكترونية بإعفائها من الضرائب. له أثر سلبي على أهم موارد الدولة.

ذلك أن أطراف التعامل التجاري أصبحوا يفضلون إبرام العقود والصفقات عن  طريق بروتوكولات التجارة الالكترونية. لنقص تكاليفها الامر الذي يؤدي الى نمو وتطور التجارة الالكترونية على حساب التجارة التقليدية. مما سيقلص حصة الدولة من جباية الضرائب.

إلى جانب هذه الاشكالية، فإن المنظومة الضريبية تواجه تحديا أمام هذا التطور التكنولوجي. الذي يصعب، إن لم نقل يتعذر  معه تكييف السياسات الجبائية. حيث ألغت التجارة الالكترونية الحدود الجغرافية للدول. الامر لذي يحدث قلقا وحيرة أمام الاطارات الجبائية. في ما يتعلق بالمعاملة الضريبية والتحصيل الجبائي. وكلُّ ما في ذلك أن النظم الضريبية ستصبح محدودة الكفائة. إذا لم تتمكن من التجاوب مع هذه المستجدات والاحداث.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: لا يمكنكم نقل محتوى الصفحة . من اجل الحصول على نسخة اذهب الى اسفل المقال